الأعضاء يتحدثون
عنات مرنين شاحم
كلمات كتبتها عنات مرنين شاحم، أخت بنحاس – فنكي ويئير، محاربي سلاح المدرعات اللذين سقطا في حرب يوم الغفران في تاريخ 7/10/1973، في معارك صد الهجوم في هضبة الجولان وفي محاولة تخليص جنود الثكنات العسكرية في سيناء، مع انقضاء ثلاثين سنة على الحرب.
مرة أحببت الخريف. هبوب الرياح الباردة، الذي يأتي معه بتخفيف عبء الحر الشديد للصيف قبل أن يأتي الشتاء القارس. وجو العيد المحسوس في الجو، وإرادة التجدد، وأمل تحقق الأماني كلها. لكن منذ ثلاثين سنة، تحمل إلي رياح الخريف أيضا ذكريات الحرب الفظيعة، وقوة الألم الذي لا يُنسى، وحزن الوحدة. توجه التحدث باسم العائلات الثكلى جعلني أتردد. بأي قدر يكون من الصحيح عندي أن أعلن عن مشاعري، وكيف سأستطيع التحدث باسم جمهور العائلات. في الحقيقة أنه توجد شراكة في المصير بيننا، لكن كل عائلة ردت بطريقتها الخاصة على الكارثة التي هي خاصة بقدر كبير. عبّرت كل عائلة عن ألمها بطريقة مخالفة وأنشأت طرق مواجهة خاصة للثكل. عندنا في البيت أيضا، في العائلة التي انحلت عُراها والناقصة التي بقيت، رد كل واحد منا ردا مخالفا وتصرف تصرفا مغايرا. لهذا أستطيع أن أتحدث باسمي أنا فقط. شغلت أمي نفسها بعمل لا ينقطع، وهي تُدمج إدماجا رائعا تعليم الإنجليزية، والتربية على القيم وتخليد الأبناء. إن قدرتها على التعبير عن أفكارها ومشاعرها واستعدادها لإعطاء الحب والحصول عليه، هي التي تساندها في مواجهتها حتى اليوم. صمت أبي. صمت أياما طويلة. وفي الليالي الطويلة من غير نوم، جلس ليصور وجوه بنكي ويئير وكتب اليهما رسائل لا عنوان لها. الى أن انتهت الكلمات وانكسر القلب الذي لم يصمد أكثر من ذلك للألم. وماذا عني؟ اعتقدت أنني يجب أن أكون قوية من اجلهم. أن أعود الى الرتابة، وأن أؤدي دوري كأن الأمر طبيعي. أصدقائي الأقرباء، الذين يصحبونني منذ ذلك الحين الى اليوم، والذين ظلوا بجانبي وأيدوني أيضا عندما فقدت حماسة الحداثة وفرح الحياة، سيشهدون بأنني أديت دوري على ما يرام. سادت داخلي فوضى لكنني أغلقت عليها وسترتها لأكون سندا للوالدين. وهما قوّيا أنفسهما ليكونا سندا لي وليكون بعضهما سندا لبعض. وهكذا بكى كل واحد منا وحده، خفية. لم نستطع أن نقتسم الألم بيننا. تخوفت أنه إذا فُتحت خزانة ألمي، فستُغرق وتفني كل شيء. عيديت، التي ولدت شاحر، الطفلة التي انتظرتها هي وبنكي جدا، بعد إتيان النعي المُر، غنّت لها بصوت جميل وخنقت دموعها في أعماق قلبها. كانت شاحر التي وُلدت لتضيء ظلام أيامنا، لذة كلها. انه دور ثقيل جدا على طفلة لطيفة، جاءت الى الحياة منذ قريب. وأنا منذ ثلاثين سنة اسأل نفسي ماذا كان سيكون لولا.. كيف كانت ستبدو حياتي، وكيف كنت سأشعر، وماذا كنت سأختار، وكيف كنت سأواجه جميع صنوف الأوضاع. لولا.. لولا أن فشلت القيادة في دورها الرئيس والأهم من كل شيء – الاهتمام بأمن وجودنا. لولا أن خرجتما أنتما يا أخوي، بنكي ويئير، وأنتما شابان ساذجان، فخوران جميلا الجسم والنفس، واثقان بطريقكما ومعتمدان على أولئك الذين فشلوا. خرجتما ولم تعودا. لولا أن بقينا نحن في الخلف، عاجزين، لنتلقى القضاء المُر. إن الأفظع من كل شيء هو أن تفقد واحدا – ابنا، أو أخا، أو زوجا، أو أبا. أما فقدان اثنين فهو شيء غير ممكن. نحن نضطر الى مواجهة غير الممكن هذا منذ ثلاثين سنة. ولا سلوان للألم، والفقدان، والعوز. كيف كانت ستبدو الدولة لولا ذلك الانكسار الفظيع؟. في كل يوم غفران يُفتح الجرح من جديد، ويسبرونه مرة أخرى، ويضيفون صيغا ويحاولون إيجاد تفسيرات، ومذنبين، وإخراج الحقيقة الى الضوء. وأنا أتجاوز قصاصات المعلومات الجديدة، التي تكشف مرة أخرى عن أعماق الألم. لا أستطيع أن أواجه خيبة الأمل والغضب على حقيقة أن كل هذا كان يمكن منعه. لولا.. في الحياة اليومية أشعر أنكما معي، شريكين كاملين في مجرى حياتي، في الأفراح، والنجاحات، والصعوبات والمخاوف. لكنني أفتقدكما جدا، أصبح الشوق جزءا من سِمات شخصيتي، وسرا من أسارير وجهي. الخيال يُتعتعني أحيانا، وأحس عند أحد ما معروف أو أجنبي ابتسامة صغيرة، ونظرة لطيفة، ومميزا في الجسم، وشعر ذقن قصيرا، تبدو أحيانا قريبة منتمية ومع كل ذلك تبدو بعيدة جدا ولا يمكن الحصول عليها. كل واحد من أبناء العائلة والأصدقاء، عزيز عليّ بفضل ذاته، لكنه عزيز علي أيضا بفضل الصلة بكما، وأنه يمكن التحدث إليهم وأنهم يتذكرون، ويعلمون ويفهمون. يمكن أحيانا أن يجادل بعضنا بعضا في من قال هذه الجملة، هل يئير أم بنكي؟ ومن الذي أوجد لقب التحبب ذاك، ولماذا؟ ومن الذي امتاز عن الجميع باللعبة المحفوظة الى اليوم عندنا وتُنقل كالميراث الى أبنائي. أفكر فيكما معا وعلى انفراد. يوجد الكثير من التشابه وغير قليل من الاختلاف بينكما أيضا. أما القيادة الهادئة النبيلة، والفكاهة المنضبطة، والتصميم، والنضج، والاتزان البالغ، والمسؤولية، والثقة الداخلية التي تشع الى الخارج – فهي لبنكي. وأما البسمة الصادرة عن القلب، والتي هي أحيانا خجلة حائرة، والدفء، وحب العائلة، والحساسية، والقدرة على التدليل والحصول على التدليل، والاستقلال النامي – فهي ليئير. وأما الإخلاص والمسؤولية، والشعور بالعدل والمسؤولية عن الجميع، والقدرة الطبيعية على الصلة الإنسانية بالأولاد والبالغين معا، والحب الكبير بعضكما لبعض – فهذه سِمات مشتركة بينكما. وقد كنت شابة جدا غير ناضجة، وكان علي أن أنمو من نقطة الانكسار تلك وأن أكون ناضجة. عدّ السنين يبلبلني. لأنني في تصوري الشعوري أختكما الصغيرة، ابنة السادسة عشرة فقط. وبرغم أنني كبرت منذ ذلك الحين بثلاثين سنة، فان شيئا فيّ وقف وجمد. كما بقيتما: يئير في التاسعة عشرة وبنكي في الثالثة والعشرين. لكنني مع ذلك أشعر بأنكما تنموان معي. لولا.. أتخيلكما في كل سن وكل مرحلة، بموازاة أصدقائكما من أترابكما، وكأنما لم تمضيا عنا. ما تزالان أكبر مني بنفس الأبعاد تماما، تنموان في مراحل حياتكما، وتشاركانني وتدعمانني. أتحدث إليكما كثيرا، حديثا لا يسمعه أحد. أقص، وأدهش وأتألم. تُحيرني أسئلة مثل: ماذا كان سيختار كل واحد منكما أن يدرس، وأين يعيش؟ كيف كنت سأشعر حيال ذلك؟ كم من الأولاد كان سيولد لكما؟ أي خالين كنتما ستكونان لأبنائي؟ حاولت أكثر من مرة أن أستشيركما في مفارق مختلفة في حياتي، واستطعت أحيانا في الخطاب الداخلي أن أتكهن بما كنتما ستقولان أو ستفعلان. في مرات أخرى كنت أغضب أيضا. كيف استطعتما المضي معا وإبقائي وحيدة جدا؟ شعرت لسنين كثيرة بالإثم لأنني أنا التي بقيت، من غير أن أُسأل رأيي، ومن غير أن أختار. توجد لحظات يكون فيها الألم والمسؤولية أثقل من القدرة على احتمالهما. ولكن برغم كل شيء اخترت أن أواصل، اخترت الحياة. أن أتذكركما مع الدموع ومع الابتسامات، وأن أتألم لذهابكما ولكن أن أفرح لأنكما كنتما أخوي. أن أشكر على الهدية التي أُعطيتها وهي أن انشأ في عائلة كهذه حتى سن السادسة عشرة. السنين التي تنقضي تُعرضني لتحديات وفرص جديدة أن ألقاكما من زوايا أخرى. الشوق الى الاقتراب منكما لم يزُل. الى أن ألقى أصدقاء يئير وألمسه عن طريقهم. الى أن أتلذذ بابنة بنكي وحفيدته وأن أرى خيط الحياة يستمر بهما. وأن أعرف طول السنين أن العائلة وأصدقاءنا الأعزاء شركاء، ومساندون ومحبون، وينشئون جيلا رائعا لم يعرفكما، لكنه لن ينساكما ولن ينسى دروس تلك الحرب الفظيعة. إنه جيل لم يعد ساذجا كما كنا نحن، انه جيل نقدي لكنه مليء بالإيمان، جيل لن يتخلى عن نفسه لكنه لن يتخلى لنفسه أيضا ولن يتخلى للقيادة ولن يتخلى من الدولة.
عنات مرنين شاحم
|

فنكي

ويئير



فنكي, ويئير, عنات.
|
|
|