الأعضاء يتحدثون
جلال خضيري ــــ كوارث الحرب
اسمي جلال خضيري , في العام 1967 كانت عائلتي في مدينة طوباس منطقة جنين خمس أخوات ( ليلى, خوله, سلوى, سناء و أسماء) وأخواي ( جمال والصغير هشام). كان علينا أن نهرب إلى عمان بسبب الحرب الدائرة وكان للذكريات التي خلفتها الحرب الأولى عام 1948 من مجازر وذكريات مؤلمة سبب كاف لاتخاذ قرار النزوح إلى عمان. غادرنا في سيارة استأجرها الوالد لنا واضطر إلى المكوث في البيت ليتمم بعض الأمور الهامة ووعد أن يلحق بنا في اليوم التالي ( مشيئة الله قضت أن لا يرافقنا ) وفي قرية قريبة من نهر الأردن حدث الكارثة, كنت في الخامسة من العمر ولا تزال كل دقيقة كل ثانية محفورة بذاكرتي, أمي احتضنت أخي الأصغر ما بين ذراعيها وأخواتي إلى جانبها, رأيتُ طائرة إسرائيلية تقترب، حلقت على ارتفاع منخفض، اقتربت منا بضجيج مخيف. اقتربت وشعرتُ بحريق في جسدي كنتيجة لغارة الطائرة. ابتعدت الطائرة وعادت في أقل من دقيقة وألقت علينا قنبلة. و انتشرت الجثث في كل مكان، و فتحت علينا في تلك الدقائق بوابات جهنم، نظرت إلى أمي، إلى أخي الصغير الذي انشق وجهه إلى قسمين. شظايا الانفجار مرت عبر أخي وأصابت أمي في رقبتها. أختي سلوى تعرضت لإصابات متعددة بالغة الخطورة حيث بترت ساقها كما أصابع يدها وشظايا كثيرة اخترقت جسدها في أماكن متعددة, كما أصبت بشظايا تلك القنبلة في ساقي لتحرمني طفولتي الطبيعية, كما أسماء استشهدت, جندي أردني أنزل الجثث من السيارة, الجرحى بمن فيهم أمي وأختي سلوى نقلوا إلى المستشفى. و قبل أن يغادروا، ضمد جندي أردني لي ساقي. وجدنا أنفسنا، ليلى، خوله، سناء وأنا وحدنا. نادية أمي وأبي ولكن لم يجبني أحد. قررنا السفر إلى عمان كما قالت أمي ولكن جمال أخي لم يكن في المنطقة وليلى لم تستطع المغادرة بدونه. وفي مرحلة معينة رأينا جمال يصل وشعره محترق من اللهيب. فقد طار وقت الانفجار وأنقذه بدو من المنطقة. ليلى رغم أنها كانت صغيرة السن تمكنت من إيقاف سيارة أقلتنا إلى المستشفى. في المستشفى رأينا أختي الجريحة وأمي، وعندما حضر أبي في وقت لاحق كان ضعيفا ولم يتمكن حتى من الحديث، لم يحدث لي أبدا أن فكرتُ بأن أراه في مثل هذا الوضع، إذ أنه كان بالنسبة لي دوما سوبرمان, القادر على حماية أسرته من أي خطر والقبطان الحكيم الذي يبحر بسفينته إلى بر الأمان رغم كل الأمواج العاتية مشهد لم أكن أتوقع أني سأراه يوما. منذ ذلك اليوم لم أتصور أني في أي يوم سأتحدث مع الإسرائيليين. كنت على قناعة في أن كل من يتحدث العبرية هو قاتل. في داخلي لم يكن هناك غير الدم، الألم والعنف. ذات يوم وقع في حياتي حدث مؤثر. أحد رفاقي مات في الانتفاضة الأولى. عدتُ إلى البيت وكل مشاعر الغضب، الكراهية، والدم والعنف تتدفق في داخلي بقوة. أبي رآني هكذا، مصدوم كليا مما حدث. في تلك اللحظات لم يتحدث معي. أبي رجل متدين، وبعد وقت ما، حين بث التلفزيون الأردني برنامجا عن هتلر وعن الكارثة دعاني لأن أشاهده. دعاني دون أن يقول كلمة. وبعد البرنامج قال لي إنك عندما تكون غاضبا، الكراهية والغضب تسيطران عليك ويخرجانك من دائرة التفكير المنطقي للأمور ولا يمكنك أن تفكر جديدا وتدرسها بشكل مجدٍ. في وضع الغضب لا يمكنك أن تتوصل إلى القرار السليم. الكراهية لا يمكنها أن تؤدي بك إلا إلى ارتكاب الأخطاء. لا يمكنك أن تدير حياتك هكذا. من المهم أن يكون لك في حياتك دور ايجابي ومجدي. كبرتُ وأصبحت مدير مدرسة. ذات يوم في تركيا، في مؤتمر للمدراء، فوجئت أنه تعقد هناك لقاءات بين مدراء إسرائيليين وفلسطينيين. وأذكر أنه كانت لي تحفظات على مثل هذا اللقاء. التقيت هناك بمدير روى في حلقة نقاش عامة أن ابنه قتل في انفجار باص وكم هو الألم كبير جراء فقدانه ولده. لم أكن أحتاج لان يوسع في الحديث عن الألم وما الذي يشعر به فقد تذوقته من تجربتي الشخصية، وحقيقة أني التقيت إسرائيليا يعرف ما هو الألم والفقدان دفعتني لان أتحدث معه وأروي له ما حصل لعائلتي. التقيت هناك أيضا بوعز كيتائين الذي يشغل اليوم منصب مدير الجانب الإسرائيلي من المنتدى. وروى لي بوعز عن المنظمة ودعاني للمشاركة. لم أتخذ أي مبادرة ولكن بعد أربعة أشهر دعاني د. عادل مسك عضو المنتدى الفلسطيني إلى لقاء في القدس، للتعرف والاستماع. قلت له إنه بمشيئة الله سأفكر وأقرر. لم يكن هذا بالنسبة لي قرارا سهلا. تحدثتُ في ذلك مع الشخصين الهامين في حياتي، أبي وأختي سلوى. سلوى التي لا ينتابها أي شعور بالكراهية أو الضغينة رغم كل ما حصل، اقترحت عليّ أن أذهب. جئتُ إلى القدس، وكانت هناك عائلات ثكلى إسرائيلية وفلسطينية، وكلهم تحدثوا عن الألم وعما لم يتحقق بسبب اختيار العنف. هذا اللقاء أثر فيّ. اكتشفت جانبا إنسانيا لم أعرف بوجوده. ومن تلك اللحظة شعرت أن هذه ستصبح مهمتي الوطنية. تحرير الأرض لا يجب أن يتم فقط بالسلاح. المجتمع الإسرائيلي يجب أن يكون قادرا على أن يرى فيّ إنسانا يمد يده للسلام.
|



|
|
|