آراء ومقالات
12/01/2009
أسود وأبيض ورمادي
روبي داملن
تل أبيب – كم أتمنى لو استطعت رؤية الحياة من خلال عينين تريا بالأبيض والأسود، وأن تخبرني تلك الصورة التي ما فتأت تظهر باللون الرمادي أنني لا أملك الاحتكار على الحقيقة. كم أتمنى لو أنني أستطيع إدارة حياتي دون أسئلة. الأمر الوحيد الأكيد هو أنه عندما يذهب الإعلام، سوف يعاني جميع هؤلاء الذين فقدوا أحباءهم من ألم عميق في قلوبهم بحيث سيشعرون أنهم بالتأكيد سوف ينفجرون. هذا الألم لا لون له. ليس أخضراً بشكل شبه كامل، أو أزرق أو أبيض. هذا الألم لا هوية سياسية له، وسوف يبقى معك بغض النظر عن القناع الذي اخترت أن تلبسه في يوم محدد.
امتلأت الأم في غزة بالرعب منذ أسبوع تقريباً عندما أطلقت حوالي ثمانين صاروخ على قرى إسرائيلية، هي على بعد رمية حجر عن منزلها. عرفت بشكل مؤكد أنه سوف يتوجب عليها أن تدفع الثمن الكبير نتيجة تبجح قادتها الذي يرفضون تجديد أية اتفاقيات سلام. شعرت أنها وجميع جيرانها سوف يصبحون مرة أخرى ضحايا لسياسيين على الجانبين، الذين لا يملكون سوى سبيل واحد لحل النزاع، بغض النظر عن مدى صحة ما يفعلون، وهو سبيل العنف.
لا تملك هذه المرأة، تماماً مثل مثيلتها في سديروت، أية طريقة لحماية أحبائها من العنف. أطفالها أبرياء، مثل أطفال القرى المجاورة، ويجب أن يملكوا الحق في النوم ليلاً دون أن يبولوا في فراشهم من الخوف، وبدون الكوابيس المرعبة التي تستحوذ عليهم.
لذا دعونا ننظر إلى الأسود والأبيض من خلال عيون هؤلاء الأطفال، الذين جرت معاملتهم حتى الآن كبيادق في أيدي أناس أصروا على أسلوب الثأر. إنهم يصيحون من أكفانهم، "أوقفوا القتال"، ولكن أحداً لا يسمع، فالجميع منشغل يحاول تبرير قضيته، يدفعهم من يساندهم في دول عديدة، لا يلبس أولادهم البزة العسكرية أو يعانون الحياة الرهيبة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون، واسمحوا لي أن أقول، الأطفال الذين يعيشون في الكيبوتزات والقرى المحيطة بغزة. كم يصبح سهلاً ألا تحاول الوصول إلى حل وسط وأنت تجلس في مكان آمن، ولم تتعرض للتجربة يوماً ما. كم يسهل عدم محاولة التوصل إلى تسوية عندما لا يعاني أطفالك من الجوع، ويستطيعون الذهاب إلى المدرسة وأن يكون لهم مستقبل.
وهكذا، ومن وجهة نظر بالأسود والأبيض، يشعر هؤلاء الذين يعيشون في قرى محيطة بغزة، وهؤلاء الذين يرفعون العلم الأبيض والأزرق، بالارتياح عندما يسمعون تلك الأصوات تعلن بدء الحرب. أنهم لا يرون اللون الرمادي لمستقبل يمتلئ بمزيد من أجيال الحقد بين جيرانهم، وعلى الأرجح المزيد من الصواريخ الأكثر تقدماً وتدميراً لأمنهم وبيوتهم. لا يمكن أن يكون هناك منتصر في هذه الحرب. فقط المزيد من القلوب المحطّمة.
ماذا نفعل إذن بكل هذا اللون الرمادي؟ شيء واحد أكيد هو أنه يتوجب علينا أن نتكلم مع بعضنا بعضاً وأن نواجه الحقيقة بأن أي من الشعبين لن يختفي في سحابة من الدخان. يتوجب علينا كذلك أن نتوصل إلى حلول وسط لصالح هؤلاء الأطفال الذين يصرخون لأجل الأمان. علينا أن نوقف أسلوب الانتقام، وأن نبحث عن حلول جديدة لا قتل فيها. بوجود جميع هذه العقول العظيمة في هذه المنطقة، لا بد أن نتمكن من إيجاد أسلوب للحياة بكرامة.
سوف أستمر أنا شخصياً بعملي في منظمة دائرة الأهالي – منتدى الأسر الثكلى الإسرائيلية والفلسطينية من أجل المصالحة، ليس بموقف الأسود والأبيض، وإنما دائماً ببعض من اللون الرمادي، وبفهم بأن العنف يولّد العنف.
###
* روبي داملن عضوة في منظمة "دائرة الأهالي – منتدى الأسر الثكلى الإسرائيلية والفلسطينية من أجل المصالحة". قتل ابنها ديفيد في آذار/مارس 2002. تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بنشر هذا المقال بالتعاون مع دائرة الأهالي – منتدى الأسر.
مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 12 كانون الثاني/يناير 2009 www.commongroundnews.org تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
|
|
|
|
|
| |
|
|
|
|
|