07/04/2008
أنا – بسام عرمين
رامي الحنان
استضافت عائلة عرامين المقيمة في عناتا عائلة الحنان مساء يوم الخميس الموافق 6/3/2008، المقيمة على بعد 20 دقيقة سفر من موتسا (مكان سكن عائلة الحنان) أي 20 ثانية ضوئية من القدس.
أكلنا جبل من المقلوبة باللوز مع اللبن، تحدث بسام عن مقابلته للممثل شلومو فايشنسكي، الذي سيمثل شخصيته في عرضه الأول لفيلم جديد. أهدت نوريت سلوى سلسلة من الفضة، وعليه اسم عبير رحمها الله. ضحكنا، كان كَيف (مرح)، وكان انفعال. وبعدها شاهدنا على التلفاز صور الحادث في المركز الديني كنيس بيت الراب. ومرة أخرى اليد الباردة والقلب المحطم، ومرة أخرى يتجمد الدم في العروق، وكالعادة عرفنا بأن السيف المتقلبة داخل الأحشاء لا تعرف الراحة إلى أن تمتلئ بالدم والانتقام. وأثناء مشاهدتنا للأخبار وفي لمحة أعلن وبسرعة عن وقائع أليمة من غزة - مقتل ثمانية في ساعة واحدة. وعلى انفراد جانبا بكت سلوى بمرارة على أمهات القتلى، وكان صعب، جدًا صعب. "حسنًا" قال لي بسام عند وداعنا "على الأقل سنلتقي في وارسو يوم الأحد..." تمت دعوتنا نحن الاثنين بواسطة التلفزيون البولندي وقناة HBO وذلك من أجل عرضه الأول لفيلم وثائقي جديد عن المنتدى الإسرائيلي-الفلسطيني للعائلات الثكلى. سررت بذلك، أيقنت بأنه معًا يمكننا أن نمرر رسالة الأمل لأناس ليس لديهم أي معرفة أو مصطلح عن الصراع، أدركت بأنه من خلال الألم المشترك سيصغي لنا الناس، ولو من باب حب الاستطلاع، لأمر السلام. كُنت ساذجا. نسيت كُليًّا بأن الفلسطيني لا يمكنه أن يقوم هكذا صباحًا، مثل أي إنسان حر، وأن يسافر متى شاء إلى أي مكان يرغب به، رغم كل الاتصالات والجهود واتصالات البريد الإلكتروني، توسلات وصرخات، لم يحصل بسام على إشارة تصريح بالسفر (فيزا) وبقي في البيت. وهكذا وجدت نفسي وحيدًا، مساء يوم الاثنين في المسرح البولندي في وارسو، أمام حشد جمهوري محب للاستطلاع، والسفيرين، الموقرين، الإسرائيلي والفلسطيني، وكرسي فارغ – كرسي بسام! بدأ الفيلم، صمت الموت، قصص تُقطع القلب عن معاناة إنسانية بحتة، دون إدعاءات سياسية، دون محاولة حسم، قصص ثكلى ومحاولات يائسة للعطاء ولو قليلا، معنى الفقدان الفظيع وغير لازم، ومد يدًا مترددة للطرف الثاني، ومعانقة وتصالح وبصيص من الأمل، رجال ونساء وجوهها تبدو عن قرب مخروطة بتجاعيد المعاناة المريرة، أرقام وأرقام. ومن حين لآخر نسمع تنهدات من الجمهور من خلال القاعة المظلمة، ودموع تنهمر، والجو قاتم وكئيب. يتحرك عظمة سيادة السفير بعصبية على كرسيه، بين حراسه، لغة حركته أوحت لنا بعدم الصبر وبانت معالم الجفاء على وجهه. "عد للعشرة!" يصرخ له إسرائيلي من بين الجمهور، ولكن متأخر جدًا، هو قد قام واحتل بعاصفة حق التكلم المطلق، وكلهم، وبما فيهم السفير الفلسطيني، جالسين موبخين كتلاميذ متشردين، ويصغون لأقوال سيادته. وهو يشرح؛ حضرته، بأنه كانت لديه ترددات وتحفظات بالنسبة لحضوره هذا المساء بعد ما جرى في القدس يوم الخميس، ولكن وبعد تفكير، ومن باب الاحترام للعائلات الثكلى، وبرغم ذلك قرر أن يحضر. ويضيف قائلا بأن إسرائيل تمتلك العزم لمحاربة الإرهاب، دون أي تسوية - وأنه لا هوية بين الألم الذي حل بمن تضرر من الإرهاب للألم الذي حلّ بمن دافع عنه.. وأن الأولاد الإسرائيليين لا يذهبون ليفجروا أنفسهم في سوق غزة، و... وعندها صرخ عليه واحدًا من الجمهور قائلا بأن إسرائيل تبعث لغزة دبابات وطائرات، وبأن الاحتلال الإسرائيلي هو إرهاب، وعندها يبدأ ثانية النقاش البشع، وحضرته يقول بأن كل واحد ملتزم لرأيه، والملحق الصحفي خاصته لا يعلم أين يدفن نفسه من شدة الخجل، أمام مستضيفيه البولنديين المرتبكين. وأيضا نحن، أنا وابني جاي المتواجد معي، شعرنا بالعار أمام التصرف الغريب من قبل ممثلنا في وارسو، تماما ك"هحميشا هكميريت" (مسلسل كوميدي إسرائيلي). ... في الصباح ذاته، أمام مخلفات سور الجيتو، فكرت كثيرًا بيني وبين نفسي، كيف لي كيهودي، كإسرائيلي وكإنسان بأن أعبر عن شعوري السيئ وذلك لعدم حضور بسام، ولم أتمكن من أن أصل إلى أي قرار، إلا أني الآن، وبقرار اللحظة الأخيرة قلت لهم: "أنا – بسام عرامين!!!" أنني أمثل شخصية هذا الأصيل والجريء المقاتل من أجل السلام! قلت لهم بأن مكانة الفلسطينيين مفقودة على الأغلب في كل منتدى عالمي، يبحث في لب الصراع، هي بمثابة عار لجميعنا! قلت بأن غياب هذا الأب الفاقد، الذي كان أسيرًا في السابق، والذي اختار طريق المصالحة والسلام، ما هي إلا صرخة قوية ضد قمة عدم الإنصاف والصدق المستمر والذي يحاول دون هوادة إثبات بأنه لا يوجد من نتكلم معه... وعندها جمع حضرة السفير دون تردد حراسه وترك بغضب مصطنع، وحضرة الراب الرئيسي قال "لا يوجد ألم كألمي" وحرك المشاركون في الندوة رؤوسهم موافقين وذلك من باب الأدب البولندي. .. أما نحن فذهبنا معًا لنلتقط الصور، وبعدها لنشرب ونأكل، وأنا كنت هناك بجسدي، ولكن روحي وقلبي كانتا في عناتا. لم أستطع التوقف للحظة بالتفكير في بسام وسلوى عرمين. فكرت ذاتيًا بأن بسام فقط، كان بإمكانه أن يجعل السفير يخجل من نفسه وأن يخجل من رفع عينيه، وأن يفهم بأن غزة سبقت القدس، وشدروت سبقت غزة، والاحتلال سبق جنين وهكذا دواليك... صف طويل بلا نهاية من الجثث... لكن بسام لم يكن هناك معي، وأنا ذهبت من هناك مطأطأ الرأس، جريح وخجل ومتألم... وهذا هو الموجود، ومع هذا الشيء يجب الاستمرار... أو عدمه.
رامي الحنان القدس 13.3.2008
ترجمة: ماهرة عثمان
|