آراء ومقالات
15/12/2007
المعرفة هي البداية
جلال خضيري
هناك محطات في مركزية في حياة كل شخص وقد تكون هذه المحطات ذات اثر كبير على مجريات حياته وقد تعمل على تغيير جذري لهذه المجريات وتحدد ملامح المستقبل, وفي عام 1967 توقفنا في محطة ملؤها الألم والعذاب لترسم ملامح حياة مغايره لما كان مخطط لها ولتغير مسار حياة معظم أفراد الأسرة وهنا لا املك الكثير من الكلمات حيث يصعب علي تحديد الملامح اهو القدر الذي رمى بنا في هذه المحطة؟! وكان لنا لقاء مع الألم عصر يوم 5 حزيران من عام 1967 حيث الحرب اشتعلت ما بين الدول العربية وإسرائيل, ومن تلك الذكريات التي حفرت في ذاكرة الوالد والوالدة من حرب 1948 اتخذ قرار الذهاب إلى عمان بعيدا عن الحرب و ويلاتها وما هي إلا دقائق وجدت نفسي وأخواي هشام الأصغر وجمال الأكبر وأخواتي ليلى الكبرى وخوله وسلوى وأسماء وسناء والوالدة في سيارة سائقها على أهبة الاستعداد للانطلاق إلى عمان وكأنه يستعجلنا لمواجهة قدرنا وما ان وصلنا منطقة العدسية حيث حياة جديدة تنتظر أفراد أسرتي وهنا تم قصف السيارة من قبل الطيران الإسرائيلي لتفتح أبواب جهنم علينا تجسد الرعب في كيان كل فرد فينا واختطف الأخ الأصغر وكذلك أختي أسماء ليرحلا إلى عالم آخر ويتركان في قلب كل واحد منا الم وعذاب لا يوصفان وكل أحلام تلك الصبية الجميلة سلوى بغد مشرق يستحقه كل هذا الجمال الذي يشع من عينيها إلى سراب, ندخل إلى مفترق طريق في حياة جديدة حياة يعصف فيها الألم وتدفعنا بكل عنف إلى دائرة الكراهية والحقد والانتقام, وجدت نفسي وحيدا بين أحضان الأخت الكبرى ليلى تحاول بكل ما أتيت من قوة أن تلملم جراحي وتطمئنني أن أخي الأكبر جمال سيعود حيث اختفى في لحظات وان أخي الأصغر سيعود لنعلب سويا من جديد وأسماء بعد لحظات ستأتي وسلوى ستشفى وتسترجع كل الجمال وأمي ستعود لتدفئنا بحضنها الآمن. لم اشعر بألم الإصابة بقدر ما شعرت بألم الفقدان, الآن أحس بكل حروف تلك الكلمات أيتها ألجده عندما كنت تقولين ( الزوج موجود والابن مولود أما الأخ مفقود ). كم اشتاق لكما هشام وأسماء لا زلت اذكر تلك اللحظات التي كنت تهرول لتستقبل الوالد وهو قادم على صهوة جواده وتراني اعشق الأطفال لأجلك هشام فكل نظرة طفل تذكرني بجمالك ومع كل حركة طفل أراه يشتعل الشوق والحنين إليك, ولا زلت اعشق النظر في عيون صديقاتك أسماء, هناك أرى كم كانت لك حظوة لديهن وأنت خفيفة الظل, الجميلة, المحبة. انتهت الحرب وتم احتلال الضفة الغربية لكن مخلفات الحرب لم تنته حيث تركت جراح عميقة في قلب العائلة, استشهاد هشام واسماء كان له عظيم الاثر حيث من الصعوبة بمكان قبول فقدان احد افراد الاسرة ولكن احمد الله ان وهبنا الله لاب مؤمن استطاع ان يبحر في عائلته بعيدا عن دائرة الكراهية والحقد, ولكن في كل مرة كان يعود فيها من زيارة امي واختي سلوى حيث تخضعان للعلاج في احدى مشافي عمان, كنت اتوق للركض اليه كما السابق حيث كنت اتسابق وهشام من يصل اولا ليحضن الوالد لكن هشام ليس موجود لينافسني في الركض وحرمتني اصابتي من الوقوف وقبل ان تنهمر الدموع المترقرقة في عيني يسرع الي ليغمرني بحنان يكفي كل اطفال العالم ويبدا يقص حكيات عن الاطفال في الجنة حيث هشام واسماء تقوم الملائكة على خدمتهما و يطمئنني انهما بخير حيث يلمس من كلماتي مدى اشتياقي لهما, ولكن رغم طفولتي كنت احس مدى التغير الذي حصل على عائلتي رحيل هشام واسماء وما خلفاه برحيلهمت من حزن والم والهم الاكبر ما حل باختي سلوى ولكونها بنت كان الهم اكبر لكون البنت في عائلتي تحظى باهتمام منقطع النظير فهن الاميرات في العائلة لا يجرؤ احد من الصبية الذكور على عدم اظهار كل الاحترام لهن و اوامرهن مطاعه, وما حدث مع سلوى كان دليل على استمرايرة الالم والعذاب لكل افراد الاسرة. لازلت اذكر عندما كان يحملني الوالد على كتفيه حين كان يحين موعد زيارتي للطبيب المعالج في المشفى ليتابع علاج اصابتي كنت اسال والدي هل ساعود كما الامس استطيع العدو واللعب بالكرة كما كنت افعل انا وهشام؟! كنت ارى الدمع يترقرق في عينيه ولكن كان يرد باصرار وقوة لا بل انا متاكد انك ستكون افضل من السابق لازلت اذكر كلماته ( ما تخلي خشط (جرح بسيط) يخوفك بكره بس نرجع على طوباس رح اشتريلك كره علشان تلعب فيها في ساحت الدار) كانت تلك الكلمات ترافق مسمعي طوال الوقت وتزرع في التحدي وكما يقال – من ثنايا الضعف تتفجر القوة - . عادت الوالده الحمد لله الى البيت الذي استاجره الوالد في مدينة الزرقاء في الاردن, لكنها كانت لا تزال تعاني من بعض الالم جراء الاصابة وكان الوالد طيلة فترة غيابها يتدبر امور المنزل بمساعدة اختاي ليلى وخولة وقد كنت اراه يهتم بادق تفاصيل حياتنا كما كانت الوالده, وبعودتها شعرت ان جزء كبير من المسؤولية الملقاة على عاتق الوالد عادت مرة اخرى الى ملكة البيت, رغم عجزها الجسدي الا ان وجودها في المنزل له الاثر اكبير في افشاء جوء الطمئنينة في البيت.ومنذ لحظة عدوتها بدا نقاش حول العودة الى منزلنا في طوباس كانت الوالدة معارضة لعودتنا الى طوباس لكن كان هناك اصرار من قبل الوالد للعودة ولكن كما تربينا على فلسفة الحوار كان ليس بالامكان اتخاذ قرار الا بموافقة اللاغلبية في المنزل حين يكون هناك خلاف على شيء ما فعمد الوالد الى بيان حجته بالعودة الى الوطن مما اعجز الوالدة على الرد بحجة لاقناعنا بالبقاء في الزرقاء. وبعد تقريبا ستت شهور اتخذ قرار عائلي بلزوم العودة وتحديد موعد لذلك حيث كنا على موعد مع اختي سلوى لمغادرت المشفى, وما كانت الا ايام الا وبدانا بتجهيز اشيائنا الشخصية البسيطه استعدادا للعودة, غادرنا الاردن متجهين الىالضفة الغربية وكانت المرة الاولى التي ارى فيها قاتل هشام واسماء والمسؤول عن الكارثة التي حلت في اسرتي كان ذلك على جسر نهر الاردن حيث استوقتنا دورية من جنود الاحتلال ( من انتم والى اين متجهين حوار دار بين الجنود وسائق المركبة ووالدي وبعد فترة من الزمن تقارب الساعة سمحو لنا بمواصلت المسير, اخيرا وصلنا الى منزلنا الابواب مكسرة وآثار اقتحام للمنزل حيث تم نهب وسلب جميع محتويات المنزل ولم يتبقى لنا من محتوياته أي شيء يذكر حتى ملابسنا لم تسلم, رغم اننا عدنا الى بيت فارغ الا ان هناك احساس بالامان والطمئنينة تغمرنا وددتت لو استطعت الدري في غرف المنزل لكن جل ما استعطت ان احبو اتفقد غرف المنزل وكاني ابحث عن هشام واسماء علي اجدهما في احدى غرف البيت لم يكن هناك احد, اتجهت الي باب المنزل لاخرج باحثا في ساحت البيت والاسطبل حيث كان مربط جواد والدي لكن الوالده امسكت بي وقالت الى اين انت ذاهب؟! لم تنتظر اجابتي ولسان حالها يقول اعرف انك تبحث عن اخوتك الله بعين يا ولدي ان شاء الله خير, وشرعت بالبكاء واحتضمنتي بقوة وكانها تريد شق صدرها لتخباني جوار قلبها. وبعد فترة من الزمن بدات جولت اختي سلوى في العلاج في مستشفى ( تل هاشومير ) حيث ستخضع لاجراءات طبية قبل تركيب الطرف الصناعي كانت في قسم اصابات الحرب حيث الجنود والاطفال والنساء الذين تعرضو لاصابات جراء الحرب, لا زلت اذكر كلماتها عندما كنا نزورها ( شايفين المرة هاي ؟ الها ابن جندي مصاب, كل يوم لما تيجي تزوره قبل ما تروح على ابنها بتيجي علي بتطمن على وبتسالني اذا بحتاج اشي وبتجيب الي معها مثل ما بتجيب لابنها, وشايفين هذك الدكتور كثير طيب كل يوم بزورني اكثر من ثلاث مرات يطمن علي وهذيك الممرضه.............) الله الله الله ما اجملك سلوى صحيح ان الاحتلال استطاع ان يسلب جمالك لكن لم يستطع ان يسلب جمال روحك. ومضت الايام ثقيلة ولكن احمد الله الذي وهبنا اب مؤمن استطاع ان يبحر باسرته بعيدا عن الكراهية والانتقام. وبعد ما يقارب العام استطعت ان اقف وامشي لكن ليس بالامكان ان العب الكرة كما كنت ورغم ذلك اشترى الوالد الكرة التي وعدني بها, وكان جل همي كيف العب بها كما السابق واصبحت جزء من حياتي وكانها عوان التحدي وبوابة الامل حيث اذا ما استطعت اللعب بها اثبت لنفسي وللاخرين انني قادر على فعل ما يفعل الاخرون. وباصرار وتحدٍ استطعت ان امتلك مهارات لعب في الكرة يعجز عنها الكثير من ابناء جيلي من الاطفال بل تعجى ذلك لاكون من المميزين في الفرق الرياضية على مستوى المدرسة وفي سن مبكرة استطعت ان اكون لاعب اساسي في فريق كرة القدم لنادي طوباس الرياضي والتفوق على الكثيرين وبجدارة وان اكون لاعب مميز في صفوف الفريق وكنت اللاعب الاصغر, وبعد انتهاء الدراسة الثانوية كان حلمي ان ادخل احدى الكليات المتخصصة في التربية الرياضية فقصدت الجامعة الاردنية وتقدمت لاختبارات كثيره وكنت اجتازها بسهولة ويسر ولكن لوجود اصابة حساسة في جسدي حيث هناك قطع في الوتر الرئيسي في الرجل اليسار جراء اصابتي في الحرب هذه الاصابة شكلت ارباك في صفوف لجنة الاختبارات حيث انني اجتاز كل الاختبارات بتفوق رغم الاصابة ولكن في حال المصادقة على قبولي ساكون المعاق الوحيد في هذه الكلية التي يفترض ان يكون الطلاب فيها على درجة عالية من اللياقة البدنية وخلو اجسام طلابها من الاعاقات, فاضطررت لاعادت قسم كبيير من هذه الاختبارات ولكن في كل مرة تكون نتائج الاختبار افضل من السابق, واخرا والحمد لله تم المصاجقة على قبولي كالبا في الجامعة وكان هذا بمثابة انتصار على الذات. وبعد التخرج عدت الى الوطن مرة اخرى لابداء الحياة العملية, مع بدء الانتفاضة الاولى, عملت في التدريس, والحمد لله كنت اتنقل من نجاح الى نجاح, في سنوات دراستي في الجامعة كانت سلوى قد تزوجت ورزقها الله بثلاثة ابناء بنت وولدان لكن كان لها مع الحزن وقفة اخرى حيث توفي زوجها وكان عمر محمد اصغر الابناء لم يكتمل العام. تزامنت عودتي من الجامعة مع الانتفاضة الاولى حيث مع كل شهيد يسقط ترتد ذاكرتي الى الى عام 1967, وابرز تلك الاحداث ذالك الطفل الذي قتل على يدي جندي امام منزلنا دون ذنب سوى انه كان يجري عائدا الى بيته لسماعه ان هناك قوة من جنود الاحتلال تقتحم المدينة كم زلزلني ذلك المشهد. لم يسبق لي ان فكرت جديا من هم هؤلاء القوم الذين يحتلون ارضنا ولماذا يحتلون ارضنا ماذا يريدون, الى ان دعاني الوالد يوما لمشاهدت برنامج في التلفزين الاردني يصور حياة هتلر وكانت المرة الاولى التي تستوقفني كلمة (الهلوكوست) بت افكر في هذه الكلمة وابحث عن تفاصيل مجريات ما حدث حيث كانت نافذة للبحث عن هوية الانسان في بندقية المحتل. رغم التعاطف الانساني مع الشعب الذي تعرض للابادة لكن لم ارى من هذا الشعب الا جندي يتجول ببندقيته يثير الرعب في الشوارع وينشر الحزن في البيوت ويريق الدم, كم من مرة تم اقتحام منزلنا من قبل قوات الاحتلال في ساعات الفجر, ورغم اعتقال اخي كمال الذي رزقنا به الله بعد الحرب والذي كان لا يتجاوز 15 عام في اعتقاله للمرة الاولى حيث وجهت له تهمت مقاومة الاحتلال ورفع العلم الفلسطيني, واعتقل للمرة الثانية في الانتفاضة الاولى لنفس التهمة, رغم ذلك ورغم ما حل باسرتي من كارثة في الحرب الا انني لا اذكر يوما انه كان في سلوك احد منا أي اشارة الى تطرف او تعصب او كراهية لدين او جنس او عرق ولكن بالتاكيد كما كل فلسطيني يعمل على قلع الاحتلال من ارضنا, كان هناك رفض من الداخل لاجتياز حدود الجندي المحتل لمساحة الانسان, لم يكن ليقنعني احد ان هناك هوية انسانية في فوهة البندقية, وتلك اللغة التي تذكرني حروفها بكل تفاصيل المجزرة لدرجة بت اشتم رائحة اللحم البشري المحروق في طيات حروفها مما عزز في داخلي عوامل الرفض لقبول اللغة العبرية او الاعتراف بها لغة قد تصلح لكتابة قصيدة غزل او اغنية حب, رغم انتشار الجند في شوارعنا لكني كنت ارفض كليا الاستماع الى كلماتهم حين ينطقون العبرية لدرجة كنت احس اني اصاب بالصمم عندما يبدؤن الحديث بلغتهم, وكممن مرة كدت اقتل جراء هذا الرفض النابع من اعماق اعماقي. وكان اللقاء الاول مع الوجه الاخر في شهر آب عام 2004 حيث استمعت خلال مؤتمر عن التربية من اجل السلام لرجل كان يتحدث عن عظم الالم الذي الم به وباسرته جراء فقدانه ابنه بانفجار حافلة ركاب كانت المرة الاولى التي ارى فيها دموع بشرية تتدحرج على خد اسرائيلي, نقلتني تلك الدمعات الى ما الكارثة التي حلت باسرتي, وسؤال تردد في داخلي هل الالم مذاقه واحد؟! انه الفقدان كانت النافذة التي من خلالها استطعت ان ادخل الى طريق اخر طريق قد يؤدي الى التحرر والاستقلال بعيدا عن العنف والقتل واراقة الدماء, اذا كان مذاق الالم واحد والدم لونه واحد والفقدان هو الفقدان لم لا نعمل على وقف شلال الدم النازف, والعنف والعنف المضاد. تلك التساؤلات دفعتني للبحث الجاد في قبول الدعوة الى المشاركة في مؤتمر لاعضاء منتدى العائلات الثكلى في القدس عام كانون اول 2004. وكانت الخطوة الاولى من طريق صعب جدا لمقاومة الاحتلال والتحرر والذي يقود الى طريق المصالحة والتي تتطلب اولا المصالحة مع الذات قبل المصالحة مع العدو, ومن خلال النشاطات التي يقوم بها المنتدى وجدت انه هناك طرق كثيرة للعمل الوطني البعيد عن العنف واراقة الدماء, كما ان مبدا انكار الاخر مدعاة لانكار الاخر لك وبجدلية الانكار لا يمكن التوصل الى سلام.
جلال خضيري
|
|
|
|
|
| |
|
|
|
|
|