آراء ومقالات
27/03/2007
لا مزيد من الوقوف إلى جانب ضد الآخر
شيرا هيرزوغ
تل أبيب – بعض الصداقات تتوطد من خلال الألم الذي لا نفصح عنه. وهذا هو ما يربط بين أفراد رابطة العائلات – دائرة الأهالي و هي مجموعة من الإسرائيليين و الفلسطينيين الذين فقدوا أفراد مقربين من عائلاتهم والذي يعتبرون أنفسهم ملتزمون بالمضي قدما فوق الجراح للوصول إلى مستقبل أفصل.
و مؤخرا أمضى 100 عضو في هذه الرابطة يوما في متحف (ياد فاشيم) المتحف الإسرائيلي الوطني لذكرى المحرقة، و يوما في الرحاب الخالية لقرية قبيبة الفلسطينية و التي تقع فيما يعرف الآن بإسرائيل و قد تم تدميرها من قبل القوات الإسرائيلية عام 1948. و تعتبر التجربة التي تم خوضها في هذين اليومين خطوة أولى في عملية يطلق عليها أفراد الرابطة ب "المعرفة هي البداية" – و تتحدث قصص المشاركين عن حجم شجاعتهم في البدء في مثل هذه الرحلة.
و هذه عينة من القصص: فقد خالد أبو عوض اخوين غير مسلحين في حوادث مع الجنود الإسرائيليين. و بعد ذلك و قبل عامين تحديدا أصيب ابنه البالغ من العمر 15 عاما بجروح خطيرة من قبل القوات الإسرائيلية عندما قامت بإطلاق النار باتجاه مظاهرة غير مسلحة في قريتهم. خالد هو متحدث صريح عن قوميته الفلسطينية و مطلبه هو بناء دولة مستقلة في الضفة الغربية و غزة و مع ذلك فهو يؤمن أن مواجهة حقيقة المحرقة و قبول الحق اليهودي في دولة لهم يدعم ويقوي مطلبه.
والد رامي والذي يدعى الهانان يبلغ من العمر 83 عاما و هو ممن نجوا من معسكر Auschwitz للإبادة و بدأ حياته هو و أسرته بعد ذلك في إسرائيل. قبل عشر سنوات مضت تحطمت حياته مجددا عندما قتلت حفيدته وهي ابنة رامي التي لم تبلغ العشرين من عمرها بعد في تفجير انتحاري في وسط مدينة القدس. ويشعر رامي بأن رحلته الشخصية بعيدا عن ما يطلق عليه " العيش حصريا ضمن فكرة كونك ضحية" و الذي يقوم به بعض الناجين من المحرقة، ليستطيع فهم معاناة و ألم الفلسطينيين يعزز التزامه بإيجاد طريقة للحياة معهم من خلال اتفاقية متبادلة.
يتحدث رامي هيرشينسون و الذي فقد ولديه في أحداث العنف التي جرت بين الفلسطينيين والإسرائيليين و بشكل عاطفي عن كوكتيل الألم القوي الذي شعر به عندما رأى الفلسطينيين يبكون في متحف ياد فاشيم و عندما شاهد والد خالد يشير إلى المواقع التي اختفت الآن من قبيبة التي عرفها في فترة طفولته. ويقول رامي الهانان أن الخسارة الشخصية والصدمة الوطنية و الروايات أيضا امتزجت بالتعاطف و الدموع و التقبل الإنساني.
و في عقد من تأييد المصالحة (عادة ضد الانتقادات القاسية في كلا المجتمعين)، انعزل أفراد الرابطة عن التعبير ومواجهة صدماتهم و معاناتهم الوطنية بشكل جماعي. إذ أنهم كانوا يخشون من فقدان ثقتهم التي طوروها، لأنه وبخلاف القدرة التي نستطيع فيها بناء العلاقات بسبب الحزن الشخصي المشترك، إلا أن الحديث عن الجروح الوطنية و الروايات المتعلقة به تتسبب عادة في الجفاء والإقصاء.
ولكنهم الآن يكسرون جدار المحرمات و يطرحون أسئلة لها علاقة وثيقة بالمعاناة و الصدمات الوطنية.
فعلى سبيل المثال فانه و بالنسبة للإسرائيليين و اليهود عامة لا يوجد شيء أكثر قبحا من ادعاء أن المحرقة مبالغ فيها أو مقارنة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي لما قام به النازيون بحق اليهود. و مع ذلك فان هذا ما يعتقده بعض الفلسطينيين أو على الأقل هذا ما يقولونه.
و بالنسبة للفلسطينيين فلا يوجد ما يفجر رد فعل عميق أكثر من أن يستمعوا إلى إنكار الإسرائيليين لما يشير إليه الفلسطينيين بالنكبة و التي تم فيها تدمير مئات القرى مما جعل قاطني هذه القرى لاجئين خلال حرب إسرائيل للاستقلال في عام 1948. ومع ذلك فان الإسرائيليين يقللون من قيمة مثل هذه الادعاءات و يدعون أن الفلسطينيين يشوهون الحقائق. و معظم الفلسطينيين و الإسرائيليين يشعرون أن مواجهة ألم الجانب الآخر يعتر إهانة وإضعاف لشرعية ادعائهم الشخصي في حقهم بالدولة في المنطقة المتنازع عليها. لذا فهم يتراجعون ويحتمون بموقف دفاعي و ينهون النقاش فيما يصبح حربا لا رابح فيها حول مدى كونهم ضحايا مع إمكانية وجود رواية رابحة واحدة فقط.
وهذا ما يحاول أفراد الرابطة تغييره. فان مبدئهم قائم على أن مواجهة و شعور الألم الذي يشعر به الآخر – بدون الحكم عليه أو مقارنته بألمك الشخصي – هو من الضرورة بمكان كخطوة لبناء مستقبل معا بدلا من المضي في نمط الماضي المدمر.
وهم يقرون بالمخاطر التي تحيق بهم. إذ أن التعرض الأولي لرواية الآخر يخترق منطقة الأمن و الراحة و الدرع الواقي المبني على الإنكار و الإجحاف و لكنه لا يعد بالتفهم. وحتى الآن تجربة الرابطة توضح أن مشاركة الحزن الشخصي هو خطوة قوية باتجاه المصالحة و لكنهم الآن يختبرون ما إن كانت تجربتهم في مواجهة صدماتهم الوطنية معا ستمكنهم من بناء جسر اكبر بينهم. و إن كان يمكن لأحد القضاء على و تدمير هذه الحواجز فانه لا احد أحق من الأفراد و العائلات التي دفعت أقصى ثمن ممكن و ضحت بأغلى ما لديها.
وقد تم تشجيعهم عن طريق ردود الفعل المبكرة.
و إن فكرة هذه التجربة الأخيرة ظهرت للملأ عندما أراد عضو فلسطيني من المجموعة أن يرى بنفسه ما إذا كانت المحرقة قد حدثت فعلا. وقام فلسطينيين آخرون بصد هذه الرواية، بينما تردد الإسرائيليين من مواجهة تعلق الفلسطينيين بقراهم المتوارية.
ولكن بعد الزيارات وعندما اعترف ياكوف جوتمان و الذي هو نفسه ناج من المحرقة و فقد والده، بالنكبة و لكنه قال " لقد كنت في الجحيم (المحرقة) و لكن النكبة لا تعتبر بنفس قسوة تلك التجربة" فقد لاقت كلماته كل ترحيب واحترام صامت من الإسرائيليين و الفلسطينيين على حد سواء.
في عالم لا يزال إنكار المحرقة ينتشر فان قدرة الفلسطينيين و الإسرائيليين تتقاذفها الحرب و الفقدان حتى يقوموا بمواجهة الحقيقة معا و هو أمر يستحق الثناء و التقدير. و قد فاقت قوة رابطة العائلات عدد أعضائها. وكون الرابطة تمكنت من تسخير الروايات الوطنية لصالح قضية التفاهم المتبادل فان هذا سبب للأمل في هذا الجزء من العالم.
###
شيرا هيرزوغ هي كاتبة عمود تعمل مع Canadian Globe and Mail و تقضي وقتها مقاسمة بين تورنتو و تل أبيب. وهذا المقال قد تم توزيعه عبر خدمةCommon Ground الإخبارية(CGNews)،ويمكن قراءته على الموقع التالي: CGNews مصدر المقال: The Globe and Mail ، 17 آذار 2007 ، لقد تم الحصول على تصريح حق إعادة الطباعة والنشر.
تصوير ايال عوفر
|
|
|
|
|
| |
|
|
|
|
|