آراء ومقالات
07/03/2007
سار اثنان معا فهل التقيا؟
يونا برغور
مترجمان؛ لغتان. مشرفان؛ روايتان. مجموعتان تنظمان المؤتمر؛ روبي واسامة؛ عائشة وشريك؛ دانييلا وندوى؛ شعبان؛ الكارثة والنكبة؛ فلسطين واسرائيل؛ يهود وعرب. وعندها نهض خالد، في ختام يومين من المشاركة في الألم؛ التعرف على مصيبة الآخر ويعلن لنا جميعا بأنه يجمل الأمر ويتحدث باسم الجهتين – الاسرائيليين والفلسطينيين. وهو يجعل منا – وإن كان حتى بشكل مصطنع بعض الشيء – منظمة واحدة وموحدة، أو مثلما أجمل يعقوب غوترمن فقال: "هذه المنظمة نالت في يومين شهادة التخرج". وقالت أم عزيز أن زيارة مؤسسة يد واسم لذكرى الكارثة هي واجب على كل فلسطيني؛ وقال آخرون إن القبيبة هي ذكرى؛ وأن زكريا هي حلم لا بد سيوثق، مع قدوم اليوم، في متحف النكبة. وقالت روبي أنه محظور الإدمان على تشبيه الألم؛ نسخ قوة المصيبة. وقالت عنات انه حيثما يوجد الحب يوجد الأمل.
الكارثة والنكبة، تسكنان الواحدة الى جانب الأخرى، ولن يتخلى أي منا عن صدارة مصيبته الوطنية – التصفية المنهاجية لـ 6 مليون – نصف الشعب اليهودي من جهة والطرد من الديار ومن الملك والعيش تحت الاحتلال على مدى 40 عاما، أو حتى 60 عاما، من جهة أخرى. لا يوجد ولا يمكن أن يوجد إجماع على مقياس المصيبة الوطنية؛ لا توجد ولا يمكن أن توجد شراكة حسية، كاملة، في الألم الشخصي. ولكن يمكن ويجب أن يكون اعتراف بألم الطرف الآخر؛ يمكن ويجب قياس ألم الطرف المقابل من أجل أن نتمكن من التوقف والنظر الى الخلف بغضب؛ كي يتاح لنا النظر الى الأمام بأمل.
هل سنعرف كيف نترجم شهادة التخرج هذه في عمل ذي مغزى في أوساط شعبينا؟ هل قدرتنا على أن نبكي معا ستتيح لنا أيضا الضحك الواحد مع الآخر؟ هل توجد فقط حقيقة واحدة – حقيقتنا؟ وإذا كانت مع ذلك توجد حقيقتان، فهل توجدان في مسارين متوازيين، لن يلتقيا أبدا أم ثمة عدة نقاط لقاء يمكن منها الانطلاق في درب مشترك، معا؟ هل يمكن إجراء تشبيهات بتعابير المصيبة الوطنية؟ وحتى لو كان هذا ممكنا فهل مسموح وجدير إجراء مثل هذه التشبيهات؟ هل واضح لرفاقنا الفلسطينيين أن الخوف من كارثة أخرى، في نطاق الوطن، هو الذي يخلق الهوة الواسعة بيننا وبينكم؟ هل واضح لنا، نحن الإسرائيليين، بأن بقايا منزل عائلة خالد في القبيبة هي دليل واضح على المصير الوحشي الذي كان من نصيب الفلسطينيين؟
عائلتي، سواء من جانب أمي أم من جانب أبي، من أصل ألماني. العائلتان هاجرتا جميعها الى إسرائيل، في الوقت المناسب، قبل وقوع الكارثة. فقد فهموا ما لم يفهمه الكثير من العائلات اليهودية بان عليها الانقطاع عن ألمانيا، عن أوروبا والبدء من جديد هنا في بلاد إسرائيل. هذا الانقطاع كان صعبا ومرفقا بمآسٍ شخصية، ولكن العائلات تمسكت بأظفارها كي تقيم بيتها الجديد. سافرتُ إلى المانيا؛ ذهبت بحثا عن الجذور؛ بحثت عن بيت عائلة أمي في هامبرغ؛ زرتُ القبر العائلي لعائلة أبي في باد في رايسيغ؛ تألمت لذكريات الصبا الحلوة لامي؛ غضبتُ على أولئك الذين يسكنون اليوم في شقة جدي وجدتي، دون أن يعرفوا لمن كانت تعود؛ أسفتُ لإهمال قبور آبائي وأجدادي، في بلدة قرب الراين. لا أحد يعرف أين كان الكنيس المحلي، هناك عندما كانوا يعيشون في المكان. في هامبورغ بالمقابل، توجد ساحة كبيرة لإيقاف السيارات، في الحي اليهودي السابق، لتشير الى مكان الكنيس الكبير والمركزي الذي دمر من الأساس. ورغم كل ما قيل أعلاه، فإنني عندما سرت في الدروب الترابية للقبيبة، التي لم تعد قائمة، ثارت لدي الفكرة هل يوجد تماثل بين هذه الزيارة لخالد وعائلته وأم محمد وعائلتها وبين زيارتي في أماكن سكن عائلتي في ألمانيا.
وعندها قال لنا بوعز إننا نسير الى بيت خالد؟ (وليس الى المكان الذي كان فيه بيت خالد). وعندها استوعبت الفرق؛ الفجوة الهائلة القائمة بيننا، في هذه المرحلة من الانقطاع عن الماضي، رغم أنفنا. تاريخ عائلتي – في المدينتين الألمانيتين، والذي يمكن تتبعه لخمسة حتى ستة أجيال، انتهى. لا ذكر له! باستثناء عدد القبور. نحن لا نتعاطى مع هذا الواقع، ولكننا لا نشتاق – لا لألمانيا ولا لأوروبا. بيتنا هو هنا في إسرائيل. هنا أيضا يدفن أبويّ؛ جدي وجدتي وابننا، العزيز، زيف. رفاقنا الفلسطينيون لا يزالون يوجدون في مكان آخر، في مرحلة أخرى من التسليم بالواقع؛ هذا حقهم! (من نحن كي نمنحهم رخصة الحلم بالعودة).
ولكن، كان بودي، لو أن رفاقنا الفلسطينيين، الذين تأثروا جدا بزيارتهم الأولى الى "يد واسم"، تكيفوا مع الموقف الذي يقول إن النكبة، التي هي بمفهومهم كارثتهم، هي حدث تاريخي؛ حدث يؤسس للوطنية الفلسطينية ولكنه حدثا لا يفترض أن يقوم في وعيهم من أجل تبرير اتخاذ وسائل عنيفة لغرض تغيير الواقع. التطلع الى العودة الى حواكير طفولتهم ستبقى كحلم، جدير عيشه، ولكن لا يمكن تحقيقه. فالتصفية المنهاجية لأكثر من خمسمائة قرية فلسطينية، في أراضي دولة إسرائيل، مثلما رأينا في القبيبة يفترض بنا نحن الإسرائيليين أن نتصرف تجاههم بسخاء أكبر ولكن يلزمهم هم أيضا أن يبدأوا الفصل الثاني في إعادة تأهيل السكان اللاجئين، في أماكن سكناهم الحالية.
اليوم، عملية التسليم بالنسبة لنا أسهل منها بالنسبة لكم، يا رفاقي الأعزاء. وذلك ليس لان قوة الألم أقل؛ ليس لان قوة الوحشية كانت مغايرة بل كوننا، كقومية نجحنا في أن نقيم لنا بلاد لجوء ستحمينا جميعا. أما أنتم الفلسطينيين فلا تزالون توجدون في مكان آخر، أصعب بكثير ولهذا فان للتذكر والتماثل مع مصيبتكم معنى آخر، لعله أقسى بكثير. كان بودي، أيضا، لو أن رفاقنا الفلسطينيين، فهموا أنه بالنسبة لي، الكارثة ليست مجرد تهديد مسلط، من شأنه أن يتحقق في المستقبل القريب أو البعيد، وعليّ أن أفعل كل شيء لمنعه بكل ثمن. الكارثة هي التعبير الأكثر شرا للنفس البشرية المظلمة، القادرة على أن تخترع آلة إبادة، منهاجية ووحشية، من أجل تصفية "الآخر" المنبوذ؛ الذي تعده غير جدير بالعيش والوجود. الكارثة ليست فقط آلة الابادة الناجعة التي استخدمها النازيون، أبناء الشعب الألماني وشركاؤهم في أوروبا بل هي خط الزبد في السيل، بين أولئك الذين كانوا الأغلبية المتعاونين، سواء بشكل فاعل أم بشكل سلبي، فقط بسبب الالتزام بالانتماء للمعسكر "الوطني" القومي المتطرف وغسلوا أيديهم، وبين أولئك الأقلية، المميزين الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم وحاولوا مقاومة هذا الجنون العنصري.
وعليه فعندما سمعت في أثناء الزيارة الى يد واسم أقوالا، لعلنا نسيناها، للقسيس نيمولر عن اليهود؛ عن الشيوعيين وعن الاشتراكيين الذين لم يقاوم إعدامهم، لأنه لم يكن ينتمي اليهم، وفقط عندما وصل اليه طالبو روحه، لم يعد هناك احد يقف الى جانبه *. وعليه، عندما خرجتُ من الزيارة الى يد واسم، معكم، يا رفاقي الفلسطينيين، أخذتُ معي الأقوال التي تصدرت أحد الإعلانات – It's not what the nation does, but what a nation tolerates (ليس الأمر في ما تفعله الأمة، بل في ما تحتمله الأمة)
هذه الأقوال أخذتها معي الى الزيارة، في الغداة، الى القبيبة، وأنا أحملها معي كل مرة أفكر فيها بعبير عرامين ابنة الـ 11 سنة. بودي أن أؤمن بأنكم أنتم أيضا أخذتم هذه الجملة معكم، عندما يتفجر الباص التالي، داخل حدود دولة إسرائيل. عندها وفقط عندها سننال شهادة التخرج، شهادة التميز الفائق للشعبين!
يونا برغور 2007/2/26
تصوير ايال عوفر. يونا في الطرف اليميني للصورة.
|
|
|
|
|
| |
|
|
|
|
|