English Site לאתר בעברית الصفحة الرئيسة

 آراء ومقالات

09/10/2006

الإجماع الذي كان وهرب

بقلم: يونا برغور

أنا يساري. أنا يساري خائب الأمل. أنا يساري خائب الأمل كثيرا. أنا خائب الأمل، لأن اختيارك أن تكون يساريا في المجتمع الإسرائيلي، المليء بأبطال مجد الحروب؛ والذي يُجِّل طياري الآلات القتالية الجوية؛ والذي يستخذي أمام جنرالات جيش البر الذين تغمرهم الطاقة مع كل ملجأ مُهدم وسيارة مُفجرة، مهمة غير ممكنة تقريبا. أن تكون يساريا، مُحبا للبشر، من غير تمييز ديني أو قومي، تُقدس الحياة كأعلى القيم، هو عبء ثقيل، بلا تأييد في مجتمع كهذا.

لكنني خائب الأمل أيضا لأنني اعتقدت أنني قد حظيت هذه المرة بأن أوجد في الإجماع الوطني، أي أنني اعتقدت أن الإجماع الوطني قد بلغ إلي وفتح أمامي بابا؛ وأنه استقبلني ببشاشة ولم يخب أمله، كعادته البغيضة منذ سنين طويلة. على نحو يخالف ما كان في حرب لبنان الأولى، في سنة 1982، أغراني هذه المرة أن أتعلق بوهم أننا على حق؛ وأن هذه الحرب عادلة وأن ضحاياها ضحايا حرب "لا خيار".

في سنة 1982، مثلت، منذ أول يوم في الحرب، بإزاء وزارة الدفاع، حتى قبل أن يُسمع يوسي سريد وآخرون أصواتهم، وأعلنت: ليست هذه حربا عادلة! لا توجد حرب عادلة! وكانت تلك الأيام أيام الكيلومترات الأربعين الأولى في الوحل اللبناني وكان الجميع أو أكثرهم ما يزالون يعتقدون أن المسار الذي يواجهنا قصير وسريع. وأنا فقط ثم بعد ذلك آخرون ثم آخرون وبعد سنين أخرى جاءت أيضا النساء الشجاعات من "الأمهات الأربع" (أولئك النساء الشجاعات، اللاتي يوجد من يتجرأ على تسميتهن "الخِرَق الأربع")، من أدركنا أن قوة الجيش الإسرائيلي لا تستطيع أن تحل محل سلامة عقل أشياع التعايش؛ أولئك الأمهات اللاتي مجّدن الإخلاص لقداسة الحياة؛ أولئك البطلات اللاتي جعلن النفوس تُشرب أن ثمن تصور الاحتلال باهظ جدا. كان يجب أن تمر 18 سنة؛ وكان يجب أن أفقد ابننا زيف، زمن خدمته العسكرية، من اجل أن يصبح الخروج من لبنان، المتعجل لكن بلا خسائر، إجماعا ويُمكّنني من احتضان الإجماع الوطني، وتلك تجربة شعورية لم أحظ بها سنين كثيرة.

وها هي ذي حرب لبنان الثانية التي أشعلها حزب الله عامداً، عندما اختطف اثنين من الجنود من داخل ارض الدولة وقتل أربعة آخرين وهاجم بصواريخ الكاتيوشا كل منطقة بلدات الشمال، قد جاءت. وكان ما خفف عني أنه الآن مع تمام سبعين سنة، نجحنا أنا والإجماع الإسرائيلي، في أن يحتضن بعضنا بعضا وأن يؤيد بعضنا بعضا. شعرت فجأة أنه لا يُقصيني مئات المُهيجين المشاغبين بسبب اشمئزازهم، والذين يدعون الى القضاء على شعب كامل؛ وأن رئيس حكومتي ووزير دفاعه (الذي هو لي أكثر)، منحاني "حربا لا خيار فيها" وزرعاني في قلب الوطنية القومية، تلك الوطنية التي كانت من نصيب ابننا الراحل، والتي كنت أفتقدها كثيرا، منذ سقوطه قبل نحو من عشر سنين.

وآنذاك، في أوج تجدد الحلف مع الإجماع، جاءت المعركة في مارون الراس وفي بنت جبيل بعد ذلك؛ وكتيبة المظليين، التي تُلتقط لها الصور قبل دخولها لبنان، من اجل رفع الروح المعنوية الوطنية؛ وأقوال صلف رئيس الأركان عن المباني العشرة في بيروت مقابل كل مبنى في حيفا؛ والدمار الكثيف في لبنان؛ وخطط طرد سكان لبنان الى الشمال وراء نهر الليطاني (هل هذا ترحيل؟!)؛ ووزير الدفاع الذي يسِم باسمه وعي نصر الله؛ وناطقته، التي فارقتها الشفقة النسائية؛ وجميع الجنرالات المتقاعدين الذين أصبحوا محللين، ذوي قدرة على الكلام لا تنفد. واعتقدنا لسذاجتنا أن ربّات الشعر تصمت حينما تقصف المدافع. واستمرار الهجمات بلا تمييز، على السكان الفلسطينيين في الجبهة الجنوبية، تحت غطاء الإجماع على الحرب في الشمال، وأنا أيضا أعود وأفكر فيما حدث لأولئك الشيعة الذين نثروا الأرز، والزهور والحلوى علينا في 1982، والذين جعلناهم أشد أعدائنا الذين يؤيدون حزب الله. فجأة وقفت حيالي، الحكومة التي وعدت بـ "حياة اللذة" في نهاية الولاية الأولى، على هيئة جهاز سلطوي يصوغ دولة، مع شريط أمني، وأذرع دمار، حولها؛ والتي تبني دولة تنطوي على نفسها داخل سور وجدران، كوسائل وحيدة لمنع خراب الهيكل الثالث؛ والتي تحتفظ بملاجىء أرضية غير معروفة، وبسلاح يوم الدين؛ وتُحدث أجندة لحرب يأجوج ومأجوج مع سوريا وإيران وتُقرب حياة أبنائها ومواطنيها قرابين من اجل استعمال رأس حيتس في حرب "المسيحيين الذين وُلدوا من جديد" في مواجهة العالم الإسلامي. على كل أولئك وعلى مواد أخرى، في برنامج العمل الوطني، الكارثي، وعلى السياسة في الأساس، التي لا مثيل لها في تاريخ حروبنا، التي نرفض فيها وقف إطلاق النار حتى نُنهي السحق، والتدمير، والاغتيالات والطرد الجماعي، ما يزال يوجد إجماع في الدولة، بسبب العمى الذي أصابنا، والذي أصابني أنا أيضا، الى أن فتحت عيني من جديد. في أواخر فترة العمى هذه، فشلت عندما أُجريت معي مقابلة في برنامج إذاعي جليل وتلعثمت، قلت أقوالا لا معنى لها عن حرب عادلة تدور، في الحقيقة، بقوة القتل والدمار، بغير تقدير.

لم يُغير الإجماع وجهه؛ ولم ينقص "احتضان" الجبهة الداخلية؛ وشيرا التي تدخل مواقع الانترنت والتي ردت في إحدى المحادثات ما تزال تعِظ قائلة "والله، تستحقون الإعجاب، ليموتوا واحدا واحدا"، لكنني نجحت في التحرر من احتضان دب الإجماع وأن أعود الى مقاسي الطبيعي - أبا ثاكلا، يبكي ابنه الذي فُقد؛ ويبكي مقتل أولاد وأمهات "غير مشاركين"؛ ويتألم لخسارة أمهات الجنود الذين سقطوا في المعارك؛ وينقبض قلبه لموت يهونتان (سيرجي) فولسيوك ابن الواحدة والعشرين، الجندي الوحيد من اوكرانيا الذي آمن أنه من اجل أن تكون إسرائيليا، في عِدادهم، عليك أن تُغرر بنفسك بل أن تُضحي بها والذي لم يحظ حتى بأكثر من سطر واحد قصير في الإعلام المجند. عُدت الى الاعتقاد، بإيمان تام، بأنه يجب الكف عن القصف وعن إطلاق النار والبدء بالتحادث؛ وأنه يجب على رغم كل شيء، النظر الى الوراء بحكمة، وأن نفحص ما الذي نجحنا في إحرازه بالحروب وما الذي حصلنا عليه بفضل السلام مع مصر والاردن. عُدت لأكون يساريا خائب الأمل، بسبب كوني في القلة على التخصيص. لكنني أعلم اليوم، أكثر من أي مرة خلت، أن نصر الله أيضا وبيرتس لن يعدِلا بي على المسار الذي اخترته، في أكثر سنيّ، أنه "يحسن العيش من اجل أرضنا" و"يحسن أن نُمكّن جيراننا من العيش من اجل أرضهم، هم".
يونا برغور

والد النقيب زيف برغور الراحل
منتدى العائلات الثكلى الإسرائيلية والفلسطينية، من اجل السلام، والمصالحة والتسامح.
26/7/2006
















 תגובות

 
 آخر الآراء والمقالات
عن منتدى العائلات
أخبار وأحداث
أعضاء المنتدى يتحدثون
النشاطات
آراء ومقالات
المنتدى
روابط
اتصل بنا
عيد فطر سعيد




الى كامل النبأ
2005 © كل الحقوق محفوظة لمنتدى العائلات الثكلى الإسرائيلي – الفلسطيني من أجل السلام.