آراء ومقالات
13/06/2006
شارع واحد. أماكن مختلفة
البروفيسور يعقوب راز
رئيس قسم دراسات آسيا في جامعة تل أبيب، ومعلم ومدرب على نوع من أنواع البوذية.
(في الصورة شجرتا السرو الوحيدتان اللتان غرستا في غور السلام في سنة 1936)
شارع واحد. أماكن مختلفة لك أيها الماضي ولي أنا الباقي خريفان (قصيدة ايكو يابانية)
القوة في هذا الوقت تتحدث القوة ولم تعد تجهد نفسها لإظهار عدالتها. إنها موجودة هنا، تفعل فعلها وتقوم كأنما وجدت منذ بدء الخلق، كإحدى ظواهر الطبيعة، كالطوفان أو شيء كهذا، مدمر لكنه مفهوم. لم تعد في هذا الوقت حاجة الى رؤية الآخر. يقولون لنا: لا يوجد فراغ الآن. "لأنه"، الآخر، لا يترك لنا فراغا لرؤيته، والإصغاء إليه. هو، الآخر، جلبنا دائما الى وضع نستعمل فيه القوة. نضطر الى استعمال القوة لأنه هو الذي بدأ. نحن نرد فقط. ربما في مرة، عندما يفهم (القوة، وبالقوة، لأنه لا يفهم سوى القوة)، نتحدث. إذا ما وجد من يتحدث إليه. في هذه الأثناء لا يمكن أن نرى الآخر وأن نصغي إليه. وهو إلى الأبد ذو اسم عام – يهودي، أو عربي، أو حريدي، أو مستوطن، أو علماني، أو شِمالي، أو روسي. لا يحل أن يكون للآخر قصة، أو اسم خاص، أو ماض، أو خطط، أو دمى، أو أحلام، أو ألم، أو مخاوف، أو حب، أو ضيقات. متى تخيلناه ينشد أنشودة مهد لأبنائه، أو يعزف على القيثارة، أو يلهو مع أصدقائه، أو يمضي إلى السينما، أو يلتذ بقراءة كتاب علم خيالي؟ فهو دائما شرير، دساس، شيطاني، فتاك، يقوم أبدا في الصباح والشر في دمه فوار، ويريد الإبادة. فلا خيار حيال شر كهذا سوى الضرب بقوة. هكذا نقول. وهكذا بالضبط يقولون "هم". لأننا لو كنا أصغينا الى قصته، وإلى حب حياته ومخاوفها، وعرفنا خططه وأحلامه بالضبط وبإصغاء فربما كنا، لا قدر الله، سنتبين أنه يشبهنا شبها كبيرا، كفقاعة دقيقة، وربما لم نكن نستطيع أن نضرب بقوة ناجعة بقدر كاف. ربما كنا نتلبث لنشرب القهوة معا، لا قدر الله بل ربما أن يحتضن بعضنا بعضا. لكن لا يمكن أن يكون هكذا. لهذا يجب الضرب وبقوة. هذا ما نفعله. وهذا ما يفعلونه "هم" بالضبط. القوة تضرب القوة. إنها قوة وسريعة. إنها تعمل، وتقتل، وتجرح، وتهين، وتدمر، وتتلف. ليست عندها رحمة. ومن اليقين أنه ليس فيها شفقة. فانه لا يوجد فراغ لفضاء الشفقة. تبدو الشفقة تناقضية، تحاول الظهور بثوب جميل، ليس لها عامود فقري، خائنة، واهنة، خاضعة، مستخذية، خانعة. أذرع القوة هي الكلمات الفظة، أو الدبابات، أو الجراثيم. إنها كلمات فظة، سريعة، حاسمة. مثل ضربة كاراتيه. من غير تردد. هذا ما نفعله. وهذا ما يفعلونه "هم" أيضا بالضبط. صورة مرآة. مرآة بإزاء مرآة ولا حصر لصور المرايا المنعكسة.
القصة تستمد القوة قوتها من الذاكرة. من القصة. لكل إنسان اسم، وماضٍ، وتاريخ. كل شعب يخلق له اسما، وتاريخا. يسمون ذلك تأريخا. قوة التأريخ الأسطورية هي في مكانته الفريدة التي يطلبها لنفسه. هو ولا شيء سواه. ولا يوجد، ولا يمكن أن توجد قصة أخرى. هذا، وهذا لا يمكن أن يكون شيء آخر. وكل قصة أخرى تهدد وجود هذه القصة، قصتنا. سندافع عنها، حتى بالحرب. لا تحدث الحروب بسبب مجال العيش؛ لأنه لو عاش هنا أناس منا، لكنا وجدنا مجال عيش. تشب الحروب بسبب الدعوى الأسطورية عن فرادة "قصتنا". بسبب الإحساس الخلاصي، بأنه لا توجد قصة أخرى سوى هذه القصة. هذا الماضي. هذه الذاكرة. تشب الحروب بسبب الفرادة الطاغية، المسكرة، التي تزعم كونها من مصدر الهي، وتطلب خلودا كونيا لا شك فيه. تشب الحروب بسبب الرموز التي تطلب أن تكون مطلقة. والتي تحشد القوة التي تسبب الشلل وتصم الآذان. إلى حد لا يمكن من السمع. وهي، أي الرموز، تصير خلاصة حياتنا، وجوهر وجودنا، ومعنى واقعنا، وقوة بقائنا. تصير ينبوع عنفنا. تحدث الحروب بسبب وعي الفرادة والتميز. إنها النضال بين قصص تزعم كل واحدة منها أنها هي الحق لا سواه. تحدث الحروب بسبب القوة المسكرة للكلمات والسحر الذي تغشي به حياتنا. تصوغ الكلمات على نحو مرتجل أفراحنا، وأحزاننا، ومخاوفنا وآمالنا، وجوهر واقعنا. الكلمات تحدث الواقع وتحرك الجيوش. نحن حاربنا "عصابات". وهم "حاربوا محتلين". كانت لنا "حوادث". وكان لهم "تمرد". كان لنا "تحرير"، وكان لهم "نكبة". نحن ندافع عن الوطن. وهم يدافعون عن الوطن. نحن نصد الشر، وهم يثورون بالشر. نحن ميتون. وهم ميتون. في وعي الفرادة هذا، كل قصة تخالف قصتي، هي تهديد حقيقي لوجودي. ولهذا يجب التبكير للقضاء عليها. يجب شل تلك القصة. تجب ابادتها. هي والذي يقصها. القوة هي الجانب الآخر للخوف. وللتهديد. وهو مزود بقوة الأسطورة المتفردة، وبقوة الإطلاق الكوني، والتاريخ الذي لا شك فيه، ومزودا بكلمات بسيطة لا لبس فيها ولا تردد، يقتحم نحو بيت الآخر، الى قلبه، والى أبنائه، والى أحلامه، ويبيدها. ولا ندم عندها. عدالة فقط (الأمن، التحرير). وعندها، وهو سكران من نفسه، لا يعود محتاجا بعد الى تسويغ فعله. فانه يجب عليه أن يدافع عن إنجازاته. بالقوة. هذا ما نفعله. وهذا ما يفعلونه "هم" بالضبط. ولكن ربما تقف القصة، بغتة، دهشة حيال التشابه، ولا تصدق. لا يمكن ذلك. القصة تواجه خصمها، وتفرك عينيها. لا تصدقوا تلك القصة. لا تصدقوا أنه توجد قصة أخرى. إنها تخافها. وهناك أيضا، في تلك القصة، يوجد خوف، وأمل، وحداد، وخطط، وأولاد، وأناشيد مهد، وحزن لا ينتهي. لمن هي هذه القصة؟ كأنما هي تختلف لكنها جد مشابه. انعكاس دقيق للصورة.
المكان يصبح المكان مكانا لوجود أحد يتحدث عنه. يصبح المكان كذلك عندما يوجد في قلب ذلك الشخص كقصة. كعلاقة. الحجارة، والبيوت، والشوارع، والجبال، والبحيرات التي لا يوجد من يتحدث عنها ليست مكانا. إنها حجارة، وبيوت، وشوارع، وبحيرات. حتى إنها لا تكون كذلك أحيانا، إذا لم يوجد من يسميها "حجارة"، و "بيوتا"، و "شوارع". أنا أرى شارعا. أنت ترى شارعا. أنا أقص قصة الشارع. وأنت تقص قصة الشارع. وهنا نتبين، وكأن الأمر عجب من العجب، أن لنا مكانين مختلفين. حتى إن اسم الشارع عندي وعندك مختلف. لو كان يمكن أن نسأل الشارع، لكان قص قصتي. كيف اجتزت الشارع بخوف، وكيف اشتريت الحلوى في البدالة، وكيف خفت طلقات النار، وكيف أحببت رائحة القهوة، وكيف سار هنا جدي مترنما بنشيد وأشار بيده إلى الجانب الثاني، الذي كان كأنه وراء البحر، وقص أمورا عجيبة عن ساكنيه. كيف تعلمت هنا لغتي من الباعة المتجولين وباعة الحوانيت والمتسكعين الذين يشربون القهوة، والحاخامات، والأصدقاء، والحمالين. لو كان يمكن أن نسأل الشارع، لكان قص قصتك. كيف اجتزت الشارع بخوف. وكيف لحست العسل في حانوت الحلوى، وكيف احتفلت في ساحة المعبد على صوت الآلات الوترية ، وكيف خفت الصلوات، وكيف أروك بيتي وقالوا لك أمورا عجيبة عني وعن عائلتي. كيف تعلمت لغتك من الباعة المتجولين، والحمالين، والمتسكعين الذين يدخنون النارجيلة، والمتحدثين بقصص الحج، والأصدقاء. شارع واحد، أماكن مختلفة. المكان هو صلة بين الإنسان والحجارة والشوارع والحدائق والصخور وحشد جميع القصص التي قصها آباء آبائه، وعائلته، وصديقته، والقصة التي قصها هو نفسه لنفسه فقط ولا يعرفها أحد. وكل مكان يحمل شحنة القصص، والثقافة، والنكهة، ومشاهد من يقصها. ويوجد فيها أيضا تغطية للمكان الذي لا يكتشف إلا برحمة الله. لهذا سيأتي دائما اثنان من البشر التل نفسه، وينشآن لهما مكانين مختلفين. ولا صلة بينهما. ألا توجد؟
الأماكن بدل أن نجزم أيها هو الصحيح، يمكن أن نرى بصدق أن جميع القصص صحيحة. عندما يتلاشى الشوق الى حقيقة واحدة، عنيفة، قمعية، مسبب للغربة، يمكن أن نرى العالم على اختلاف ألوانه، وأن نصغي الى المكان الآخر في هذا المكان حقا. ولا يعود الآخر مهددا. تل واحد. أماكن مختلفة. قصص مختلفة، متعارضة أحيانا. الفيزياء وقوانينها لا تنطبق ههنا. حبكات القصص مفرحة أو شديدة. على القاص وعلى السامع. الجلاء، والحروب، والاقتلاع والقتل، والنعمة، والجمال، وساعات الغروب، والمطر، وأشجار الزيتون، ورائحة الأرض، والطيوب. كل ذلك لهو. طبيعة العالم أن يبني على نفس التل، امرأة ورجال وأبناؤهما، ورجل آخر وزوجته وأبناؤهما، بيتيهما، ويقصوا قصصهم المختلفة. الإنسان يحدث المكان. ويحدث المكان للماكث فيه الصورة التي سيبني عليها بيته والمواد التي سيبنيه منها، وهيئة ثيابه والمنسوجات التي سيخيطها منها، والقصص التي سيقصها على أبنائه، وصلواته، والرقصات التي سيرقصها لالهته، والأقنعة التي سينحتها، والأساطير التي سينسجها عن آبائه، والقصائد التي سيكتبها لحبيبته، وحركات جسمه، وألوان بيته، وملابسه ومآكله، وتوابله، والأطعمة وأدوات الطعام، والصور، وأفلام السينما، ومراسيم تفاوضه، وترتيبات مصالحته، ولغة خطابه، والأدوية التي يعالج بها أمراضه، وأشكال المراودة، والزواج، والمصادرات وجنائز الموتى، والآت عزفه والأصداء التي تحدثها أيضا في رأسه، وفكره، وصورة الحروب وصلوات سلمه. وخزانة الأفكار، وذاكرة المكان. والجانب الآخر يسمع ولا يفهم. لان هذا ليس "المكان" نفسه! لكننا نريد أن نقول: أجل، طبيعة العالم أن توجد فيه قصص مختلفة متناقضة على التل نفسه. طبيعة العالم أنه يخلق المكان بحسب الزمن والظروف وأصل الإنسان، وبحسب القصة الذاتية والجمعية للقاص. لهذا ينبغي أن تكون طبيعة العالم أن تحيا القصص المختلفة بعضها بجانب بعض وان ليست احداها أفضل من الأخرى، أو أكثر عموما، أو امتيازا، أو جمالا، أو صحة. إن حزن القصص خاصة يستطيع جعل الأعداء الذين يزعمون ملكية المكان، يلتقون في لقاء أليم من التشابه. كوابيسي هي أحيانا أحلامك. وأحلامك – كوابيسي. نريد أن نقول: يمكن أن نقص، ويمكن أن نصغي الى القصص المختلفة، من غير ان ترد فيها الشعارات، وهياج النفوس، والكِبر، والإنكار، والتجاهل، والمحو، والتهديد، ووهم الفرادة. يصعب احتمال هذا. فكأنما لا يوجد حل للتناقض. بيد أنه يمكن أن يكون كامنا هذا بالذات، مصدر نعمة، ودرس يبذله المكان لقصاصه: احيوا بعضكم مع بعض بقصصكم المختلفة. اصغوا الى المكان الآخر في هذا المكان تماما. لا حل للتناقض إلا بعلم أن جميعها هنا. نريد أن نقول: يمكن بإصغاء لا حصر له موجود فينا جميعا أن نجعل قصاص القصص أقوى، والجماعات التي تسكن المكان أغنى، وأمنع، وأكثر تنوعا، وأكثر نبلا. يمكن أن نرى النعمة: فالتل الواحد يصبح أماكن متعددة، مفتوحا للاماكن المختلفة التي يشتمل عليها. مثل الرحم.
يعقوب راز نقلا عن مصدر معلومات المنتدى الشكر للبروفيسور راز على موافقته نشر مقالته.
|
|
|
|
|
| |
|
|
|
|
|